شمال برس - مقالات و صحف
بعد تفجير سوروج على الحدود التركية السورية لا بد أن تتوجه الأنظار إلى المخاطر الآتية من هذه الحدود، ليس بوصفها حدوداً دولية ملتهبة بحكم الحرب المتنوعة الأوجه في سوريا فقط، وليس بحكم الحروب الدولية القائمة في هذه المنطقة، وبالأخص بعد احتلال تنظيم " داعش أراض واسعة من العراق وسوريا، وفشل التحالف الدولي الذي أقامته أمريكا بالقضاء على تنظيم الدولة داعش "، بالرغم من عشرات ألوف الطلعات الجوية والغارات التي شنتها دول التحالف على قواعد" داعش "وأماكن تواجدها في سوريا والعراق، وكانت نتائج هذه الضربات تمدد قوات "داعش "في الرمادي في العراق وتدمر في سوريا وغيرها، فهذه النتائج على صعيد الصراع في سوريا أو على صعيد الحرب الدولية ضد "داعش" تشكل دماراً متواصلاً في سوريا والعراق أولاً، ولكن تداعياتها على دول الجوار تشكل خطراً محدقاً ومتحققاً ثانيا، لا يمكن تركها لتأخذ معها دول الجوار إلى حروب مشابهة أو أشد فداحة ودمارا.
إنّ دول الجوار إلى سوريا والعراق وفي مقدمتها تركيا مطالبة بأن تأخذ على مسؤوليتها وحدها أولاً، وقبل أي تحالف مع الآخرين، سواء كانوا من دول الجوار أو التحالف الدولي، أن تأخذ على مسؤولياتها لحماية حدودها ودولتها وشعبها، لأن امتداد الحرب الأهلية في سوريا لخمس سنوات، وامتداد حرب التحالف الدولي على داعش لأكثر من سنة مع توقع امتدادها لسنوات طويلة لا تبشر بخير، بحسب مجريات الأمور العسكرية في العام الأول، حتى أن مندوب الأمم المتحدة يان بيكوفتش في العراق قال بتاريخ 22/7/2015: “إن داعش تستفيد من حالة عدم التنسيق بين المحاربين لها”، وكذلك فإن تحركات حزب الاتحاد الديمقراطي وميلشياته “وحدات حماية الشعب” الكردية شمال سوريا في الأشهر الماضية، وأخيراً إعلان حزب العمال الكردستاني عن مسؤوليته عن مقتل شرطيين تركيين عثر على جثتيهما بعد تفجير سوروج، وإدعائه أي حزب العمال الكردستاني بأنّ هذه العملية جاءت رداً على عملية التفجير في سوروج، كل ذلك دليلٌ على أنّ الدولة التركية تقف أمام خيارات صعبة وحرجة، قد تؤدي بها مضطرة إلى دخول حرب دولية، مهما كانت صغيرة أو محدودة.
هذه التوترات على الحدود التركية السورية يمكن أن تمّتد إلى داخل تركيا كما حصل في سوروج وتبعاتها، ولكن الأخطر أن ترتفع وتيرة الاضطرابات وعمليات الانتقام إلى داخل المدن التركية الكبرى، بما فيها ديار بكر ذات الأغلبية السكانية من الأكراد، لذلك فإن الحكومة التركيّة معنية وهي تسارع في تشكيل الحكومة الإئتلافية خلال الأيام القادمة، أن تدعو كافة القوى السياسية التركية إلى التزام الحرص والحذر من التصريحات السياسيّة التي تؤجّج الوضع أولاً، ودعوة كافة الأحزاب السياسيّة البرلمانيّة والتي خارج البرلمان إلى نبذ العنف، وبالأخص حزب الشعوب الديمقراطي، لأنه يمثل الوسط السياسي الكردي في تركيا من الناحية الفعليّة، مع العلم بأنّ ميليشيات حزب العمال الكردستاني تتلقى تعليماتها إما من جبال قنديل أو قيادة عبدالله أوجلان مباشرة، فإذا لم يكن لزعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان أي دور في منع الأعمال الإرهابية التي يقوم بها حزبه ويقوم بالاعلان عنها وتبنيها، فإنّه أمام امتحان كبير في عدم قدرته على إتمام المصالحة الداخليّة ومواصلة محادثات عملية السلام.
في هذا السياق يمكن النظر إلى تصريح رئيس الوزراء أحمد داود أغلو إلى مواصلة المباحثات مع الأطراف التي تستعمل السلاح والقوّة إلى تحقيق أهدافها إلى ضرورة إلقاء السلاح بأنّه في الاتجاه الصحيح الذي يحفظ حقوق كافة المواطنين الأتراك، فالشروع في عمليّة السلام داخل تركيا منذ سنوات لم تعتبر ناجحة أو ذات قيمة إلا بعد أن وافق عبدالله أوجلان قبل عامين إلى التخلي عن السلاح كأحد أدوات تحقيق الهداف السياسيّة، ودليل ذلك دعوته العلنيّة بإلقاء السلاح ودعوة مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى مغادرة الأراضي التركية إلى جبال قنديل شمال العراق من حيث أتوا أول مرة، وقد كان رئيس الورزاء التركي صريحًا في أن خطابه، وموجه إلى حزب العمال الكردستاني فقال: “إن التخلي عن السلاح (من جانب منظمة بي كا كا الإرهابية) سيتحقق بشكل أو بآخر في تركيا”، أي أن المباحثات هي جارية حول هذه القضية، التي لا يمكن تحقيق السلام الداخلي بدونها.
وقد طلب داود أوغلو من حزب “الشعوب الديمقراطي” توجيه دعوة (إلى المنظمة) لتسليم جميع الأسلحة في تركيا، مشيدا بتصريح لدميرطاش قال فيه: “كلما ازدادت الديمقراطية يتوجّّب تناقص الأسلحة ومن ثم انتهاؤها تماما”، ولكن الأمر لا يتوقف على الأقوال فقط، وإنّما لا بدّ أنّ تصدقها الأعمال، ووقوع عمليات قتل للشرطيين التركيين على الحدود وإعلان حزب العمال الكردستاني مسؤوليته عن ذلك، دليل على أنّ الأفعال لا تتوافق مع الأقوال حتّى الآن، بل تسير عكسها، وتضرب عمليّة السلام في الصميم.
لقد أكّد داود أغلو على ضرورة تحقيق التعهدات المنصوص عليها سابقا في مسيرة السلام الداخلي بشأن خروج جميع العناصر المسلحة، الذين يمارسون العنف من تركيا، وتحقيق جو أكثر إيجابية مبنيّاً على مبادئ السلام والديمقراطية في البلاد، ودعا داود أوغلو حزب الشعوب الديمقراطي، وبقية الأحزاب الممثلة في البرلمان التركي حزب الشعب الجمهوري، وحزب الحركة القومية، وحزب العدالة والتنمية إلى إصدار بيان رباعي بعنوان “لا مكان للإرهاب والعنف في تركيا بعد الآن”.
والقضية الأخرى التي لا بد من التحكم بها هي قضية ردود الأفعال على أحداث غير معروفة المعالم، مثل تفجير سوروج الأخير، حيث جاء رد حزب العمال الكردستاني قبل التأكد من شخصية الارهابي الانتحاري، والجهة التي تقف وراءه، وسواء تبين أنه من أصل كردي أو تركي فإنه لم يعمل ضمن أجندة تركية أو كردية، وإنما ضمن أجندة إرهابية، لا ينبغي أن تتحمل الحكومة التركية ولا رجال الأمن التركي مسؤوليتها، فالانتقام الارهابي الذي تبناه حزب العمال الكردستاني بقتل شرطيين تركيين هو عمل إرهابي واضح المعالم وثابت بصورة قاطعة، وقبلها كان إضرام النيران بشحانات تركية شرقي البلاد بين مدينتي فان وإغدر شرقي تركيا في أول أيام عيد الفطر، 17/7/2015، فإن تبني حزب العمال الكردستاني لها يعد بمثابة تخل عن اتفاقية السلام المبرمة سابقا أولاً، وهو بمثابة تبني لعمليات إرهابية واضحة وصريحة ثانياً، وهي تصرفات تعتبر عدوانية ضد الدولة والحكومة والشعب التركي ثالثاً، لأنها ستؤدي الى زعزعة الأمن والاستقرار وإثارة الفوضى وتقويض عملية السلام، وهذا يعني أن العودة إلى العمليات الإرهابية هو بمثابة قرار في التخلي عن عملية السلام، فالارهاب والسلام لا يلتقيان، وليس أمام الأكراد وأحزابهم السياسية إمكانية السير في الطريقين معاً.

محول الأكوادإخفاء محول الأكواد الإبتساماتإخفاء الإبتسامات