.

.
100 100 100

تدافُع التدافع .

 شمال برس : بقلم  محمد عبد الوهاب جسري

تدافُع التدافع....
تَـدافُـع الكتل البشرية على هذه الأرض هو سنّة كونية بدأت يوم نزل الأبوين "آدم و حواء" إلى الأرض، و لن تنتهي حتى قيام الساعة.
حكى لي أحد المسنين العرب المقيمين في مدينة فيينا عن فترة شبابه قائلاً كنا "نحن الغرباء" هنا قلة قليلة حتى تكاد تحسبنا بضعة أشخاص وكنا نحظى بالتحية و الترحاب و الاحترام عندما نلتقي بأهل البلد في الشارع أو في وسائل المواصلات العامة، أما اليوم فإنك تبحث في وسائل المواصلات و في الشوارع عن مواطن أصلي من أهل البلد بحثاً، و بعد قليل سيصير الغرباء الوافدون أكثرية، ستلاحظ هذا لو دخلت إلى أية مدرسة ابتدائية و نظرت في وجوه الأطفال......
بطبيعة الحال لا ينطبق هذا على البلد كله، إنما في العاصمة و المدن الكبيرة فقط، بينما عندما تخرج إلى الأرياف أو المدن الصغيرة ترى الغرباء نوادراً.
عادت بي الذاكرة لأتصور العواصم و المدن العربية الكبيرة كيف اكتظت بالوافدين من الأرياف و المناطق النائية لدرجة أصبح فيها سكان المدينة الأصليين أقلية فيها، و ينطبق هذا على جميع عواصم دول العالم العاشر. و كثيراً من تحدثت و ناقشت تلك الظاهرة و أرجعت سببها لنظام الدولة الذي يحرم المواطن الريفي من خدمات لا يستطيع أن يجدها إلا في المدينة فيلجأ للعيش فيها.
و هذا الذي سميته تدافعاً هو مزاحمة أهل الأرياف لأهل المدن حتى ضيقوا عليهم ما دفع أهل المدن إلى الهجرة إلى الأرياف هرباً من الازدحام. و الشيء نفسه يتكرر عند الأوربيين اليوم فهاهي أفواج المهاجرين من دول العوالم من الثالث إلى العاشر لا تتوقف ليل نهار، و قوانينهم لا تسمح لهم بإعادتهم. لكنهم في الحقيقة بدؤوا يختنقون، فمعظم العواصم الأوربية فقدت طابعها السكاني الأصلي و أصبحت مدناً عالمية، و لا حل قريب أمام الأوربيين، فحركة الكتل البشرية ستبقى دائمة عبر العصور، و الأرض ليست لأحد ملكية دائمة. والغريب في الأمر أن الأسباب التي دفعت سكان الأرياف إلى النزوح إلى المدن في الشرق هي نفسها التي تدفع المهاجرين إلى التوجه من آسيا و أفريقيا باتجاه القارة الأوربية، فالأوربيون استعمروا تلك البلاد و نهبوا خيراتها و تركوا أهلها مع فقرهم و تخلفهم و رحلوا.
و هذا التدافع متزاوج مع الحروب فيكون هو سببها و يكون هو بسببها، وحتى لو قال لك أحد أن هناك أسباباً أخرى غير الحروب كالأسباب الاقتصادية مثلاً، عليك أن تتذكر أن سوء الأحوال الاقتصادية هو بسبب الحروب.
لن يتوقف الانسان عن ظلم أخيه الانسان يوماً، و لن يتوقف تدافع الكتل البشرية أبداً، يقول ربنا جل جلاله : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين.